محمود كان لسه مخلص كلامه، والسكوت نزل على المكان كأنه خنق كل نفس فيه. المقدم أحمد بص للصورة مرة تانية. “أبوك الحقيقي؟” محمود هز راسه. “أيوه.” الحاجة ليلى قربت منه وهي مش فاهمة. “محمود… إنت بتقول إيه؟” بص لها والدموع في عينه. “أنا عرفت من كام شهر بس.” سامح ضحك من بعيد: “سيبيه يحكي يا ليلى… يمكن أخيرًا تعرفي ابنك كان مين.” المقدم أحمد لف ناحيته: “اسكت!” سامح ابتسم. “الحقيقة مش هتتغير.” محمود مسك الورقة بإيده المرتعشة.
“الراجل اللي في الصورة اسمه فؤاد الجبالي.” العقيد شريف اتصدم. “فؤاد؟” سامح قال: “أخويا الكبير.” محمود كمل: “قبل ما أمـ,ـوت… أقصد قبل ما الناس تفتكر إني مت… كنت عرفت إن أمي مش أمي البيولوجية.” ليلى شهقت: “إنت عرفت؟” “أيوه.” “بس فضلت ساكت.” “لأني كنت خايف.” سامح قاطعه: “خايف من مين؟” محمود بص له: “منك.” ابتسامة سامح اختفت. محمود كمل: “أبويا كان بيشتغل في تجارة غير قانونية، وكان بيستخدم مخازن الشركة لإخفاء الناس اللي بيخطفهم.” المقدم أحمد قال:
“ليه؟” محمود: “كان بيبيع هوياتهم وأوراقهم لناس تانية… واللي يرفض، كان بيختفي.” ليلى بدأت تبكي. “وأنا اكتشفت ده بالصدفة.” “ولما حاولت أبلغ الشرطة، فؤاد عرف.” سألها المقدم أحمد: “هو اللي حاول يقتـ,ـلك؟” هزت رأسها. “أيوه.” “لكن قبل ما يقدر، حصل الحادث.” العقيد شريف قال: “حادث العربية اللي اتقال إن محمود مات فيه…” ليلى قاطعته: “ما كانش حادث.” “العربية اتفجرت.” “وكانوا عايزين يقـ,ـتلوا محمود معايا.” محمود قرب منها. “لكن أنا نجيت.” “ولما رجعت، لقيتهم قالوا إنك ماتّي.”
المقدم أحمد قال: “يبقى مين الست اللي اتدفـ,ـنت مكانك؟” ليلى بصت له بحزن. “واحدة كانت شبهّي.” “وهم استخدموا جـ,ـثتها عشان يقفلوا الملف.” في اللحظة دي، سامح بدأ يضحك. ضحكة طويلة وباردة. المقدم أحمد رفع س\لاحه: “إنت بتضحك على إيه؟” سامح قال: “لأنكم لسه ما اكتشفتوش أهم حاجة.” العقيد شريف قال: “إيه هي؟” سامح أشار إلى محمود. “هو مش ابن ليلى.” الكل اتصدم. محمود بص له. سامح كمل: “فؤاد أخويا مات قبل ما محمود يتولد.” ليلى صرخت:
“كداب!” سامح ابتسم. “قولي لهم الحقيقة يا ليلى.” “قولي لهم مين والد محمود الحقيقي.” ليلى سكتت. المقدم أحمد بص لها. “حاجة ليلى… مين أبوه؟” الدموع نزلت من عينيها. وبعد صمت طويل قالت: “أبوه…” توقفت. ثم رفعت عينيها ناحية العقيد شريف. “هو.” العقيد شريف رجع خطوة للخلف. “أنا؟” محمود بص له بصدمة. “إنت أبويا؟” ليلى هزت رأسها. “أيوه.” وفي اللحظة نفسها، سامح انفـ,ـجر في الضحك. لكن العقيد شريف ما كانش بيضحك. كان واقف مصدوم، وكأنه فجأة افتكر حاجة مدفـ,ـونة من عشرين سنة.
ثم قال بصوت منخفض: “ليلى…” “إنتِ كنتِ بتقولي إن ابننا مات.” قالت: “لأنهم كانوا هيقتـ,ـلوك لو عرفوا إنه عايش.” وقبل ما حد يلحق يستوعب الحقيقة… دوّى صوت انفجار هائل من خارج السفينة. والنيران بدأت تنتشر عند المدخل. سامح ابتسم وقال: “دلوقتي بس… اللعبة الحقيقية بدأت.” حكايات شروق خالد النار بدأت تنتشر بسرعة، والدخان دخل الممرات، والكل بقى بيجري ناحية المخرج. المقدم أحمد صرخ: “كله يخرج فورًا!” لكن سامح اختفى وسط الدخان. العقيد شريف مسك محمود من إيده:
“تعالى معايا!” محمود سحب إيده. “لأ! أمي لسه جوه!” ليلى كانت واقفة عند باب الغرفة، ووشها ثابت بشكل غريب. قالت: “إطلعوا إنتوا.” المقدم أحمد: “مش هنسيبك.” هزت رأسها: “أنا عارفة المكان ده أكتر منكم.” وبعدين أشارت ناحية ممر ضيق. “فيه مخرج خلفي.” جروا كلهم ناحية الممر. لكن قبل ما يخرجوا، سمعوا صوت طفل بيعيط. محمود وقف فجأة. “في حد هنا.” العقيد شريف: “محمود، لازم نمشي!” لكن محمود رجع ناحية الصوت. دخل غرفة صغيرة، وبعد ثواني خرج وهو شايل طفلة صغيرة.
كانت مرعوبة وبتعيط. المقدم أحمد بص للحاجة ليلى. “مين دي؟” ليلى ردت: “آخر واحدة.” “آخر واحدة إيه؟” “آخر شاهدة.” وبينما كانوا بيخرجوا من السفينة، ظهرت سيارات المطافي والشرطة. لكن سامح ما كانش موجود. العقيد شريف وقف قدام السفينة المشتعلة وهو بيبص للنار. “هرب.” المقدم أحمد قال: “مش هيروح بعيد.” في اللحظة دي، الطفلة بدأت تتكلم. كانت بتترعش وقالت: “هو مش هرب.” كلهم بصوا لها. “مين؟” رفعت إيدها ناحية الغابة. “الراجل اللي كان بيجيب لنا الأكل.”
محمود قرب منها: “شكله إيه؟” الطفلة قالت: “كان لابس بدلة.” المقدم أحمد سأل: “سامح؟” هزت رأسها. “لأ.” “كان اسمه…” سكتت. وبعدين قالت: “شريف.” المقدم أحمد اتجمد. بص للعقيد شريف. لكن العقيد كان واقف مكانه، ووشه شاحب. الطفلة كملت: “كان بيقول لنا إن محدش هيعرف مكاننا.” المقدم أحمد رفع س\لاحه ببطء. “عقيد شريف…” شريف رفع عينه. “إنت مصدق طفلة؟” المقدم أحمد رد: “هي عرفت اسمك منين؟” شريف ما ردش. وفجأة، مسك س\لاحه وبدأ يجري ناحية الغابة.
المقدم أحمد صرخ: “الحقوه!” انطلقت القوة وراه. محمود بص لأمه: “إنتِ كنتِ عارفة؟” ليلى قالت: “من أول يوم.” “عرفتي إنه أبويا؟” “أيوه.” “وعرفتي إنه واحد منهم؟” سكتت. وبعدين قالت: “وعشان كده كنت بشتري اللحمة.” محمود اتصدم. “إيه علاقة اللحمة؟” ليلى بصت للسفينة المحـ,ـترقة. “كانوا بيستخدموا شحنات اللحمة كعلامة إن المكان آمن.” “كل يوم ستين كيلو كانت معناها إن مفيش خطر.” “وأول ما بطلت أشتري…” “كانوا هيعرفوا إني اتكلمت.” محمود قرب منها. “يعني إنتِ كنتِ بتلعبي معاهم طول السنين دي؟”
ليلى مسكت وشه بين إيديها. “كنت بحاول أخليك عايش.”